أحمد بن محمد المقري التلمساني
305
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
وقد حال ما بيني وبينك شاغل * فلا تطلبنّي بالذي كنت تعهد فإن كنت تأبى غير إقدام جاهل * فإنك لا تنفكّ تلحى وتطرد « 1 » ألا فأت في أبوابه كلّ مسلك * ولا تك محلا حيثما قمت تقعد « 2 » قال ابن سعيد : وأنشدني لنفسه : [ الطويل ] ولمّا دجا ليل العذار بخدّه * تيقّنت أنّ الليل أخفى وأستر « 3 » وأصبح عذّالي يقولون صاحب * فأخلو به جهرا ولا أتستّر وقال يمدح الأذفونش لعنهما اللّه تعالى : [ المديد ] حضرة الأذفنش لا برحت * غادة أيامها عرس « 4 » فاخلع النّعلين تكرمة * في ثراها إنها قدس قال : وأدخلوني إلى بستان الخليفة المستنصر ، فوجدته في غاية الحسن كأنه الجنّة ، ورأيت على بابه بوّابا في غاية القبح ، فلمّا سألني الوزير عن حال فرجتي قلت : رأيت الجنّة إلّا أني سمعت أنّ الجنّة يكون على بابها رضوان ، وهذه على بابها مالك ، فضحك وأخبر الخليفة بما جرى ، فقال له : قل له إنّا قصدنا ذلك ، فلو كان رضوان عليها بوّابا لخشينا أن يردّه عنها ، ويقول له : ليس هذا موضعك ، ولمّا كان هناك مالك أدخله فيها ، وهو لا يدري ما وراءه ، ويخيّل أنها جهنّم ، قال : فلمّا أعلمني الوزير بذلك قلت له : اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ [ سورة الأنعام ، الآية : 124 ] . [ بين الياس بن المدور اليهودي وطبيب آخر ] وكان في زمان إلياس بن المدور اليهودي « 5 » الطبيب الرّندي طبيب آخر كان يجري بينهما من المحاسدة ما يجري بين مشتركين في صنعة ، فأصلح الناس بينهما مرارا ، وظهر لإلياس من ذلك الرجل الطبيب ما ينفّر الناس منه فكتب إليه : [ الكامل ] لا تخدعنّ فما تكون مودّة * ما بين مشتركين أمرا واحدا انظر إلى القمرين حين تشاركا * بسناهما كان التلاقي واحدا يعني أنهما معا لما اشتركا في الضياء وجب التحاسد بينهما والتفرقة : هذا يطلع ليلا وهذه تطلع نهارا ، واعتراضهما يوجب الكسوف .
--> ( 1 ) تلحى : تلام . ( 2 ) في أ : « ولا تك فحلا » . ( 3 ) دجا الليل : أظلم . ( 4 ) في ب : « غضة أيامها عرس » . ( 5 ) انظر المغرب ج 1 ص 336 .